البث الحي

الاخبار : أخبار ثقافية

othmane kaake

المؤرخ عثمان الكعاك أول كاتب عام للإذاعة التونسية سنة 1938

لبوابة الإذاعة التونسية : عبد الستار النقاطي

بمناسبة مرور 80 سنة على تأسيس الإذاعة التونسية تستحضر الذاكرة احد أهم الأسماء البارزة التي أسهمت في إقامة هذا الصرح الإعلامي الشامخ ، وهو المؤرخ الكبير عثمان الكعاك  ، الذي عمل بإخلاص ووطنية عالية في توطيد أركانه حيث كان أول كاتب عام للقسم العربي « لمحطة تونس البريدية »   وتولى هذه الخطة لمدة خمس سنوات من سنة 1938 إلى سنة 1943.

وفي الذكرى 43 وفاته ننشر هذا المقال في « بوابة الإذاعة التونسية « حتى تتعرف أجيال اليوم وخاصة من الشباب على هذا العلم ، الذي فقدت تونس بعد رحيله مثقفا أصيلا متعدد الاختصاصات ومؤرخا لامعا شغوفا بتاريخها وأدبها وعاداتها وتقاليدها .

ينحدر الأستاذ عثمان الكعاك من أسرة تونسية ذات أصول أندلسية استقرت بضاحية قمرت شمال العاصمة ، حيث ولد بها 5 ماي 1903، ثم انتقل والده محمد الكعاك للعمل بالعاصمة كموظف بقسم الوثائق في الوزارة الكبرى ثم تولى خطة عدالة الإشهاد ، واستقر بحي (باب الأقواس) .

نشاط حثيث وكتابين …

 وفي مقال مطول منشور في صفحة ( الموسوعة التونسية ) للكاتب أبو زيان السعدي يقول : درس عثمان الكعاك وهو اصغر أخواته سنا بكتاب سيدي الشريف بالعاصمة ثم بالمدرسة الصادقية وكان له في أثناء فترة التحصيل نشاط ثقافي وسياسي حثيث اندفع إليه في غمرة تعاظم الوعي الوطني وتوهج الحركة الفكرية والاجتماعية اثر تأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920 بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي، وقد انضم الكعاك إلى مجموعة من الكتاب الدستوريين الأحرار من أمثال محيي الدين القليبي والمنصف المنستيري ومحمد معلى واحمد توفيق المدني ، وكان ديدن تلك المجموعة النيرة إيقاظ الشعور الوطني التحريري والدفاع عن مقومات الشخصية التونسية ، وقد  نشر الكعاك مقالات سياسية وتاريخية في ابرز الصحف والمجلات الصادرة بتونس آنذاك على غرار جرائد « الأمة » و »إفريقيا » و » العصر الجديد »  وتوجت المرحلة الأولى من حياة الكعاك بصدور كتابين هامين له هما « موجز التاريخ العام للجزائر » و » بلاغة العرب في الجزائر » ولكن ذلك الحماس والاندفاع الكبير الذي شهده الحزب في السنوات الأولى لانبعاثه من عشرينات القرن الماضي، سرعان ما بدا ينخفض جراء التضيقات الاستعمارية عليه وعلى قيادته ، حيث أفضت تلك الحملات إلى إضعاف الحزب، عندها قرر الأستاذ عثمان الكعاك آخر سنة 1920 السفر إلى فرنسا ، لاستئناف الدراسة في مدرسة « السوربون » وبمعهد اللغات الشرقية ، وقد تحصل منها على الإجازة في اللغة العربية وأدبها وحضارتها، وعلى شهائد تكميلية في التاريخ ، واستكمل بذلك تكوينه العلمي الذي بدأه في مدرسة الصادقية بتونس.

هجرة الثعالبي وسفر الكعاك …

 ويضيف الكاتب : نفسه اثر هجرة الشيخ عبد العزيز الثعالبي إلى الشرق في جويلية سنة 1923 ، ركدت الحركة الوطنية ثم تفاقم الوضع بعد تخلي الطاهر الحداد عن نشاطه الحزبي  احتجاجا على موقف اللجنة التنفيذية من الحركة الوطنية التي بعثها محمد علي الحامي وجماعته ، وإبعاد توفيق المدني وعبد الرحمان اليعلاوي إلى الجزائر سنة 1925 ، عندئذ قرر عثمان الكعاك أن يتخلى عن أي نشاط سياسي  وتحول إلى فرنسا  سنة 1926 لمزاولة دراسته العليا والتحق بمدرسة اللغات الشرقية  ولم يقطع سلطته بتونس وبثلة من مثقفيها على غرار الشاعر أبو القاسم ألشابي والأديب مصطفى خريف والأديب محمد صالح المهيدي ، والشاعر بلحسن بن شعبان ، وقد كان يتبادل معهم الأفكار عبر الرسائل حول بعض المسائل الأدبية والقضايا الفكرية .

كاتب عام للإذاعة التونسية …

هناك شبه إجماع من أهل الفكر والثقافة في تونس على أن اختيار الأستاذ عثمان الكعاك كأول كاتب عام لمحطة تونس البريدية ، بعد تأسيسها من قبل السلطات الاستعمارية الفرنسية سنة 1938 ، كان اختيارا موفقا نظرا لكفاءة الرجل وقيمته العلمية والأدبية …

 وفي هذا السياق قال الكاتب الصحفي الحبيب الدريدي من مقال نشرته مجلة  » ليدز » القسم العربي: ترك مرور الأستاذ عثمان الكعاك بالإذاعة التونسية أثرا عميقا ظلت تجني من ثماره على مدى زمن طويل ففضلا عن كونه من الرواد الذين ساهموا سنة 1938 في تأسيس الإذاعة وإرساء دعائمها حتى تنطلق انطلاقة موفقة لا تشوبها تعثرات فان مآثر ثلاثا على الأقل ميزت فترة اضطلاعه بمهام الكاتب العام للإذاعة انذاك :

أولها انه كان وراء دعوة ابرز الوجوه الفنية والفكرية والأدبية في الساحة الثقافية التونسية لإنتاج البرامج الإذاعية، وبذلك صارت الإذاعة الفنية منتدى لشعراء تونس وكتابها وأدبائها وفنانيها ليقدموا عبر موجات أثيرها أحدث انتاجاتهم. وعلى هذا النحو استمع التونسيون إلى العربي الكبادي ومصطفى اغة والهادي العبيدي ومحمود بورقيبة ومحمد الفاضل بن عاشور واحمد خير الدين وعبد العزيز العروي وغيرهم فأتيح للإذاعة أن تغتني من أدبهم وفنهم وأتيح لإشعاع تلك النخبة أن يتجاوز صفحات الجرائد والمجلات التي كانوا يحررون بها إلى جمهور أوسع وافق أرحب

وثانيها أن بدايات المسرح التمثيلي الإذاعي كانت على يديه، فقد انشأ مسرحا إذاعيا ووضع له برنامجا للنشاط محددا من كل أسبوع واستقطب له ابرز عناصر الفرق التمثيلية الناشطة في ثلاثينات القرن الماضي من مخرجين ومؤلفين وممثلين إلى أن أصبح للإذاعة التونسية فرقتها التمثيلية الخاصة سنة 1954.

وثالثها ما اثر عنه من حرص على مراعاة رفعة الذوق وأصالة الفن في ما يبث على موجات الإذاعة من موسيقى وغناء، فقد شهد السياق الذي بعثت فيه الإذاعة تفاوتا واضحا في مستوى الإنتاج الغنائي جودة واستفاقا ورفعة وابتذالا، فما كان منه إلا أن اشترط على الفنانين أن يقدموا في وصلاتهم الغنائية التي كانت تذاع مباشرة على الهواء فنا تونسيا أصيلا رفيع المستوى. وقد تزامن تأسيس الإذاعة مع تأسيس المعهد الرشيدي (1934) فكانت المؤسستان تحصينا للذوق الفني إزاء موجة من الهبوط انتشرت لفترة.

ومن ناحية أخرى كان عثمان الكعاك يشجع الأدباء التونسيين الذين يحذقون اللغة الفرنسية مثل الصادق مازيغ ( الذي يحسب له  ترجمة القران الكريم) إلى اللغة الفرنسية ،وبعض الأدباء الذين يجهلون اللغة الفرنسية أمثال الهادي العبيدي واحمد خيرالدين وجلال الدين النقاش ومحمود بورقيبة ، على تعريب بعض القصائد الفرنسية الرائعة ، فكان يختار لهم القصائد المزمع ترجمتها وينقل لهم مضمونها باللغة الفرنسية حتى يعيدوا صياغتها شعرا.

متعدد الاختصاصات غزير العطاء …

كان عثمان الكعاك متعدد الاختصاصات واسع الإطلاع غزير العطاء ، وقد ترك رصيدا هائلا من الإنتاج الفكري والثقافي والأدبي ، والمتأمل في الوثيقة التي نشرتها وزارة الشؤون الثقافية في سبتمبر سنة 1976 بمناسبة اربعينته ، وكذلك في الوثيقة الثانية التي أصدرتها دار الكتب الوطنية سنة 1996 بمناسبة الذكر العشرين لوفاته يجد أن الراحل عثمان الكعاك ترك ( 22 كتابا )من تأليفه ، وتتوزع كتبه بين التاريخ والأدب وسير الإعلام والترجمة والتحقيق والتراث وابرز هذه الكتب : « البربر » ، » موجز التاريخ العام بالجزائر » ، » عمر ابن الفارض » ،  » التقاليد والعادات التونسية  » ، » ديوان حازم القرطاجني » ، »كتاب الفلسفة الإسلامية  » …

 نشرت خمسة كتب منها بعد وفاته ، كما ترك 140 مقالا صحفيا نشرت في جل الصحف والمجلات التونسية ، أما أبرزها فقد نشرت بمجلة المباحث وبجريدة الأسبوع ، وخاصة مقالا حول دراسة علمية دقيقة بعنوان  » المدن الأندلسية  بالقطر التونسي » وخصصها للمناطق العمرانية التي استقر بها الأندلسيون المهاجرون من اسبانيا إلى تونس في بداية القرن 17  وكانت على حلقات بدا نشرها في فيفري سنة 1953 .

وفي شهادة له قال عنه الأديب  والناقد المنصف شرف الدين في مقال نشره بجريدة الإخبار الأسبوعية بتاريخ 7 مارس 2019  حيث قال :  من ابرز مميزات عثمان الكعاك قوة ذاكراته ودقة تصوره ومقدرته الخطابية التي لا يدانيه فيها احد، ولا يزال الذين عاصروه يذكرون المناسبات العديدة التي وقف فيها أمام المذياع فتحدث الأحاديث المسهبة ارتجالا مما برهن على قوة عارضته وسرعة خاطره ، وقد روى بعضهم عن مواهب عثمان الكعاك ما يلي :  » تحضرني الآن صورة لتلك المواهب مازالت اذكرها بكل إعجاب ففي الخلدونية حفلة الأربعين لأمير الشعراء احمد شوقي ، بنادي مدرستها حضرها جمهور كبير من الأدباء والعلماء ، وكان من بين المدعوين نائب مدير المعارف  » مسيو ترمسال Termsal  » واذكر أن ساحة الخلدونية التي أقيمت فيها الحلقة ، كانت تعج بالحاضرين حتى اضطر كل من تأخر عن الميعاد ولو بدقائق ، أن يدخل أقسام المدرسة ويكتفي بسماع ما يقال دون التمكن من المشاهدة وكنت من بين هؤلاء فلما جاء دور الخطابة لنائب مدير المعارف ارتجل خطايا دام نحو 25 دقيقة وما كاد ينتهي منه حتى سمعنا الأستاذ عثمان الكعاك يلقي نصه العربي بكل ذلاقة وقوة بيان ودون أي توقف أو عطل ، فاعتقدت واعتقد من حولي بان الخطاب كان مهيئا من قبل ، وانه ترجم من النص الفرنسي كتابة ، ولكن سرعان ما تبين خطأ ظننا وظهر أن الخطاب كان مرتجلا وانه ابن ساعته .

وفاة مفاجئة في عنابة الجزائرية …

وشاءت الصدف أن  يتوفى « الأستاذ الموسوعة  » عثمان الكعاك بصفة مفاجئة  في مدينة عنابة الجزائرية يوم 16 جويلية 1976 وهو يشارك هناك في « الملتقى العاشر للفكر الإسلامي «   وبالتالي لم يتمكن من إلقاء المحاضرة التي أعدها للغرض ، وقد فقدت في تونس بعد رحيله مثقفا أصيلا متعدد الاختصاصات ومؤرخا لامعا شغوفا بتاريخها وأدبها وعاداتها وتقاليدها ، وتشاء الصدف أيضا أن تكون الجزائر هي موطن آخر أيام حياته وهو الذي أفرادها بأول كتبه واهتم بتاريخها وأدبها وأعلامها .

بقية الأخبار

اتصل بنا

النشرات-الاخبارية

podcast widget youtube

تابعونا على الفايسبوك

spotify podcast widget

مشروع-اصلاح

moudawna

mithek

tun2

talab

maalouma