البث الحي

الاخبار : أخبار ثقافية

السيدة علية ببو

السيدة علياء ببو … من  » جنة الأطفال  » إلى جنة الخلد

 

لبوابة الإذاعة التونسية : عبد الستار النقاطي

مرت يوم 20 جانفي 2019 الذكرى الثالثة عشرة لرحيل السيدة علياء ببو التي غادرتنا في مثل ذلك اليوم من سنة 2006 بعد رحلة طويلة ومتنوعة في عالم الأطفال و »جنتهم الإذاعية  ثم التلفزية  » … ذلك البرنامج الذي تخرج منه العديد من الكفاءات في ميادين مختلفة  في الهندسة والطب والمحاماة وفي الإعلام كما في الميدان الفني، ومن بين زملائنا في الإذاعة والتلفزة التونسية الذين شاركوا في البرنامج وأصبحوا من المشاهير نذكر المكي كربول الذي ألحقه صلاح الدين بن احميدة المدير العام للإذاعة والتلفزة بقسم الأخبار، بعدما سمع صوته في البرنامج وكذلك لطفي البحري وعفيف الفريقي وكل منهما أصبح مشهورا في ميدانه، أما في الميدان الفني فنذكر مريم الجربي ومنية البجاوي ونورالدين الكحلاوي … ويبقى برنامج  » جنة الأطفال » من أقدم البرامج الإذاعية ، إذ يعود بداية بثه إلى سنة 1949 ، وقد كانت بداية إنتاجه مع الشاعر الكبير مصطفى خريف ، بمعية « عم راشد »  ثم تداول على إعداده ثلة من المنتجين الآخرين على غرار الشاعر محمود بورقيبة والإذاعي محمد حفظي .

وفي حديث  أجراه لها الصحفي علي الجريدي وخصت به « مجلة الإذاعة والتلفزة التونسية » في العدد الذي صدر يوم 1 اكتوبر1980 تحدثت السيدة علياء ببو وهي أخر منتجة لهذا البرنامج فقالت عن مسيرتها: أنا مولودة يوم 14 أكتوبر سنة 1923 تزوجت يوم 17 أكتوبر سنة 1947 وكان عمري وقتها  20 سنة ، اختصاصي في ميدان الخياطة والنسيج ،غرمت بالإذاعة والتونسية التونسية وببرامجها والتحقت بها كمتعاونة خارجية،  وبفضلها جبت كامل الجمهورية وقدمت العديد من البرامج الإذاعية والتصق بي برنامج « جنة الأطفال  » …

وإجابة عن سؤال حول التحاقها بالبرنامج في البداية كمعدة لفقرة خاصة بالسياحة وبالآثار في تونس ، ثم تمّ تكليفها كليا بإعداد البرنامج وتقديمه  قالت : لاحظ بعض النقاد والمهتمين بالإذاعة سنة 1957 أن البرنامج بدا يتسل إليه بعض الركود  وأمسى وكأنه موجه للكبار عوض الصغار، فقد كان يشارك فيه « عم التركي  » و »عم راشد  » والفنان محمد النوري بالغناء… كما شهدت تلك السنة أزمة كبيرة بين تونس وفرنسا وتسببت في قطع العلاقات بين البلدين ،  بالرغم من أن تونس كانت حديثة العهد بالاستقلال ، وكانت الأزمة  بسبب خطف فرنسا للزعيم الجزائري احمد بن بلة ، واثر تلك الحادثة غادر العديد من المنتجين الجزائريين إذاعة باريس  التي كانوا يعملون بها  وتحولوا إلى تونس ، ومن بين هؤلاء الصحفي والأديب عبد الحميد بن هدوقة ، وقد وقع تكليفه من قبل إدارة الإذاعة الوطنية التونسية بإنتاج برنامج « جنة الأطفال » مع الحرص على تقديم الإضافة له  وللأمانة فقد بعث فيه هذا المنتج الجديد حيوية وروحا جديدتين ، وأصبح الأطفال يشاركون بأفكارهم التلقائية في البرنامج ، كما كنت أشارك فيه بركن يتحدث عن السياحة التونسية ، وهو عبارة عن جولة إذاعية اخذ فيها الأطفال إلى إحدى المدن أو المواقع أو المعالم التونسية التاريخية .

منوعة إذاعية…

وتضيف السيدة علياء ببو قائلة : في شهر ماي سنة 1960 دعاني السيد الشاذلي القليبي مدير الإذاعة التونسية آنذاك إلى مكتبه ، ودار الحديث بيننا حول مزيد تطوير البرنامج وإدخال أركان جديدة عليه ، فتناقشنا طويلا ، ثم اتفقنا على أن يقسم البرنامج إلى جزأين ، نصف ساعة لي ونصف ساعة للمعد عبد الحميد بن هدوقة وتواصلت التجربة المذكورة إلى نهاية شهر سبتمبر1960، وفي شهر أكتوبر من السنة نفسها ، كلفتني إدارة الإذاعة بإنتاج البرنامج كاملا ، فأدخلت عليه تغييرات كثيرة ، فأصبح الأطفال يقومون بالأدوار التمثيلية ويؤدون الأغاني والأناشيد ، وأصبح البرنامج عبارة عن منوعة إذاعية ، تسجل في  » أستوديو 9″ ويحضرها الجمهور ، إذ كان يأتي كل يوم جمعة أكثر من 500 شخص من الأطفال ومن أوليائهم ومن بعض المعجبين .

إطارات  كفاءات من الجنسين …

من الذكريات الجميلة للسيدة علياء ببو آخر منتجة لبرنامج  » جنة الأطفال » والذي تواصل على يدها لأكثر من 20 سنة من (سنة 1960 إلى سنة 1980 ) قالت في الحديث نفسه : جل الأطفال الذين شاركوا في البرنامج نجحوا في دراستهم الابتدائية والثانوية و » الباكالوريا «   وصولا إلى الجامعة ، وتخرج العديد منهم وأصبحوا أطباء ومحامون ومهندسون ، وهذا شيء يبعث في الفخر والاعتزاز كمنتجة ويبرز بصفة جلية حرص إدارة الإذاعة التونسية على تكوين جيل جديد من الكفاءات الرجالية والنسائية على حد سواء ، وهو الهدف الذي رسمته في اللقاء الذي جمعني مع الأستاذ الشاذلي القليبي ، لما كلفني بإعداد البرنامج  وتحدثت عن تفاصيله في بداية الحديث ، وما يحسب للبرنامج أيضا أنني لم أتسبب قط في إضاعة وقت طفل شارك فيه أو فشله في دراسته ، فما كان يقدم على موجات الأثير، كان تتمة لما يجدوه من تعليم في المدرسة ، وخاصة طريقة البحث عن الألغاز وابتكار الألعاب فكان شعاري في البرنامج ( علم الأطفال وهم يلعبون) .

ذكريات  لا تنسى…

ومن الذكريات والأشياء التي بقيت راسخة في ذهن السيدة علياء ببو وذكرتها باعتزاز كبير هو أن الأطفال الذين شاركوا في البرنامج أمسوا من الشباب اليافع وعلى سبيل الذكر لا الحصر قالت: لقد حضرت زفاف أكثر من طفل شارك في البرنامج وآخرهم قبل إجراء الحديث ( أكتوبر 1980) وهو حفل زفاف سعاد الدريسي وهي إحدى بنات « جنة الأطفال’ وقد غنى في الحفل المطربون الذين تكونوا في البرنامج وهم : مريم الجربي ومنية البجاوي ونورالدين الكحلاوي وأضافت هناك مفاجأة حدثت لي ذات يوم ولم ولن أنساها وهي إنني كنت جالسة في مطار « مونيخ » بألمانيا للرجوع إلى تونس وإذا بي اسمع صوت ينادي ( فاش تعمل يا سيدة علياء في بلاد الألمان) …تفاجأت والتفت يمنة ويسرة فلم أجد صاحب الصوت …؟ وبينما أنا بصدد التثبت اقبل علي شاب وسيم وسلم علي بحرارة قائلا : أمي السيدة علياء  » نسيتني » أنا نورالدين عباس من أطفال برنامج  » جنة الأطفال  » وقد جئت إلى ألمانيا للتحول من  » مونيخ  » إلى  » شتوتغارت » لإجراء تربص في الهندسة الالكترونية ، فعانقته بحرارة وجرت دموع الفرح من عيوني وشعرت باعتزاز لا مثيل له لان ذلك كان الهدف الذي رسمته مع سي الشاذلي القليبي مديرا لإذاعة بعدما طلب رأيي في تطوير البرنامج .

فطنة وذكاء…

وإجابة عن سؤال حول كيفية تعاملها مع الأطفال قالت : يظن البعض أن الأطفال (أغبياء أو سذج) وهم في حاجة إلى الكبار مثلنا لمزيد تعليمهم وتلقينهم وتزويدهم بمعلومات وأشياء يجهلونها …والصواب أن من يفكر بهذه الطريقة فهو مخطئ لان للأطفال عالمهم هذا صحيح ، ولكنهم يتميزون بالفطنة والذكاء الحاد  وأحيانا يطرحون علي أسئلة أجد نفسي عاجزة عن الإجابة عنها ، فعلى سبيل الذكر لا الحصر سألني طفل عن أعلى قمة في إفريقيا ؟ وقد تلعثمت قبل الإجابة فسبقني احدهم وقال :  » كليموندجارو » هي الإجابة الصحيحة سيدتي … طفل آخر اسمه المنصف السوداني كان يعرف اسم كل عواصم العالم  والأمثلة  كثيرة… بقي أن أقول أني مدينة للأطفال لان إعداد البرنامج جعلني ابحث وأطالع كثيرا لجمع المعلومات العديدة ، لأنهم يظنون أنني اعرف كل شيء لذلك تراهم بفطنتهم وذكائهم يحاولون تعجيزي من فرط أسئلتهم المتنوعة.

ومن الطرائف التي حدثت لها في البرنامج قالت : إحدى المشاركات فاجأتني  ذات مرة بمعلومة جعلتني اعجز عن الإجابة ، فقد تحدثت في إحدى الحصص عن المهن والصناعات التقليدية ، وكيفية حمايتها من الاندثار وأكدت على أن كل المهن شريفة ، فرفعت إحدى التلميذات إصبعها وقالت لي : أنت مخطئة سيدتي فمهنة بائع الخمر ليست مهنة شريفة ، وللأمانة فقد تلعثمت قبل إجابتها ولكني لاحظت من ملامحها أنها غير مقتنعة بما قلت …؟

وباختصار شديد ومفيد أن عالم الأطفال عالم عجيب ولكنه ليس غريبا، فهم تلقائيون يحبون الصدق ويكرهون الكذب ، والتلاعب بمشاعرهم ويتفاعلون بالخصوص مع من ينزل إلى مستواهم ويعاملهم على أنهم أذكياء لا أغبياء .

مفاجأة سارة وعرس جزائري…

ومن الأشياء التي بقيت تتذكر تفاصيلها السيدة علياء هي أنها تلقت ذات مرة رسالة من عائلة جزائرية تقطن بمنطقة تبسة تسال فيها عن ابنها المسمى كريم الدين الجلالي الذي غادر منزل العائلة منذ أربع سنوات وألحت هذه العائلة على مساعدتها للعثور على الطفل …؟ وبعد ثلاثة أسابيع تلقينا رسالة من مستمعة تونسية أكدت لنا فيها أنها سمعت بهذا الاسم يتردد في المعهد الفني بتونس فذهبت إلى إدارة المعهد واستفسرت عن الطفل الجزائري ، وكانت مفاجأة سارة فقد وجدته هناك … وقصة ضياعه تمثلت في أن السلطات الاستعمارية إبان الثورة الجزائرية التي اندلعت  سنة 1958 ، طلبت من بعض الأطفال الخروج في مسيرة مؤيدة للاستعمار الفرنسي ، فقبل الأطفال التظاهر ولكنهم راوغوا السلطات فقد نادوا باستقلال الجزائر ، فتعرضوا للضرب والحبس ، ومن بين هؤلاء الطفل كريم الدين الهلالي فقد تمكن من الهرب واجتياز خط موريس ودخل البلاد التونسية ، واستنجد بالمسؤولين عن جبهة التحرير الموجودة بتونس وقتها التي اتصلت بدورها بالحكومة التونسية فيسرت لهذا الطفل مواصلة الدراسة .

وبعد أن عثرت على الطفل في المعهد المذكور أعلمت عائلته عن طريق البرنامج وعبر موجات الإذاعة الوطنية التونسية وضربت موعدا معها أثناء التسجيل ، وقد كان يوما مشهودا في مدينة تبسة فقد كان عرسا بمعنى الكلمة استدعت فيه العائلة الأهالي وذبحت عجلا واعدت وليمة في تلك المناسبة السعيدة وأحضرت فرقة شعبية للطبل والمزمار ، وحالما تكلم الطفل علت الزغاريد ودقت طبول الفرح وعلت أنغام المزمار ورقص الجميع احتفاء بالعثور على كريم بعد غياب طويل …وسعدنا نحن في الإذاعة لأنها لعبت دورا رياديا في تقريب أواصر الأخوة والمحبة وإعادة الأمل لعائلة كادت أن تنسى ابنها إلى الأبد…وقد مثل ذلك الحدث السعيد انطلاقة جديدة للبرنامج فقد خصصنا فيه فقرة قارة تعنى بالمتغيبين عن عائلاتهم وربط الصلة معهم وخاصة الأشقاء الجزائريين ، فقد وجدنا منهم  الكثير في العراق وفي عدة بلدان أخرى .

بقية الأخبار

summit-arab-280

فيديو

النشرات الإخبارية

النشرات-الاخبارية

تابعونا على الفايسبوك

مشروع-اصلاح

مدونة-سلوك

الميثاق-التحريري

الميثاق-التحريري-في-التعاطي-مع-الارهاب2

إعلانات طلب عروض

الهيئة-الوطنية-لمكافحة-الفساد